Fathi Mhadhbi
الزمان والمكان يتقاسمان رغيفا واحدا مبقعا بطعم اللامعنى واللاجدوى.كل يستوحي هشاشه جوهره من صلب الأخر :
القمر شبه كفيف تحمله الغيوم كأسير حرب
داخل عربات قاتمة سوداوية. الليل باسط ذراعيه داخل
المنزل المتداعي. كرسي متحرك نكلت بأطرافه طبقات من الصدأ الصفيق .هذا مكانها الأثير حيث يعشش الفراغ.
يطوقها بيده اليمنى أي بيد واحدة لأن اليسرى شبه مشلولة متصلبة(كائن غريب متشبث بشجرة الحياة).
يضعها على ذاك الكرسي هذه المضروبة بداء الفالح كما
لو أنها قوقعة فارغة من العصر الجليدي أو قطعة أثاث منزلي معطوب وبين الحين والأخرى يصدر هذا الكرسي
صوتا أو أنينا مبحوحا كما لو أنه صفير عظام ضربها
النقرس.
الجسر الوحيد الذي يصل بين هذين الكائنين المتخمين
بوطأة الصلب والكوابيس هو لغة الإشارة ومصدرها العينان.تتطاير الكلمات من عينيها الجميلتين : أحبك
يا ولدي ليباركك الرب والقديسون.
لا تقلق انها طفرة عابرة ، قفزة في الجحيم . تلك إحدى أساسات الشرط الإنساني الفاجع.
يبادلها الشعور ذاته. أحيانا يعتوره احساس حاد بأنه ليس
ذاك الذي يحدد ماهية ذاته بدقة متناهية. انه شبحه
المتجمد في هيأته القديمة حل في أصقاعه ليزاول
احتساء كاس الشوكران بشكل منتظم.
أنت ميت كلاسيكي ضارب في القدامى..نبرات تنهال عليه
من جهة غير محددة ومعلومة.
يحاول طرد هذه الهواجس والزيزان العدمية الملعونة، والحشرات غير المرئية التي ما فتئت تلسع وعيه الجريح.
أنت لست وهما أو عمود إنارة معطوب في مقبرة مهجورة.
أنت في قمة جبل الفقد داخل كهف الموت مهمتك انجاز
حفر عميقة في النوم واهدائها الى قبار متوهج الخضرة.
موت لا ينتهي ممتد في الزمكان .
هذه أمك التي فشل الموت في تهريبها إلى أرخبيلاته المترامية. لعنة متوارثة. كائن زئبقي ليس من السهل الظفر
بسلاله الضوئية وأسره في قفص الغياب.
من المحسوس الى اللامحسوس تتخبط أجنحة الموت
أمام هذه الإرادة الصخرية الأسطورية. موت يتجدد في كل مرة معلولا بالبطلان.يتغذى بروافد المتناقضات.
تحلق طيور الرموز والإشارات على حافة عينيها. يبدو متشظي الدلالة وجهها الرسولي.
قد تموت يوما ما فيزيقيا وتبقى روحها العظيمة تلاحقك
وتنيخ بكلكلها على وعيك الجريح.وتظل تناجيك تلك
الرهينة التي يلتذ الموت بايذائها وتدميرها حد التبخر.
قطط عبثية تتداول على إيقاع تراجيدي. تفتض بكارة الصمت الذي يشبه الى حد بعيد لجة من الضوء والظلمة المتجادلين يسبح في أعماقها قرش المخيلة.
تتصارع القطط والأفكار المجنحة المتوثبة ،حرب شوارع دامية للغاية.
تنظر ناجية الى هذه الأقزام المتورطة في تهشيم زجاج الوعي بهشاشة الأشياء ،وقضم ذيل الفراغ العائلي الطويل
كذيل سعدان.
تشير بعينيها حذار من مخالب هذه القطط المدلهمة..
هذه القطط الشهوانية التي تتجاهل سطوة الموت وجلاوزته. يلتقط مكنسة ..يعدو أثرها كما لو أنه يعدو وراء شياطين مسبوكةمن معدن هلامي صرف.
تطلق عيناها ابتسامة حلوة يتقرى أبعادها بألة الحدس
المتشففة.
كان يردد دائما ما أقوى وأعظم هذه المرأة التي تحدت الموت مرارا برغم استحالتها الى قطعة ميكانيكية معطوبة
لم يقدر الموت على قتلها وهضمها كفريسة على حافة نهر.
كانت ضد الموت مع الحياة . تقول عيناها لم يك بد من مقارعة الموت والسخرية من مشيته المتلعثمة.
لا تستسلم بسهولة يا ولدي. ذره ينبش كقرد متعفن في عزلته. واصل جريانك كساقية من الضوء.حافظ على متناقضاتك.
صرنا نرفض الموت ونقاومه برغم ضرباته الموجعة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق